الغزالي

54

إحياء علوم الدين

وقيام ثلث الليل من النصف الأخير ، ونوم السدس الأخير قيام داود صلَّى الله عليه وسلَّم المرتبة الرابعة : أن يقوم سدس الليل أو خمسه ، وأفضله أن يكون في النصف الأخير وقبل السدس الأخير منه المرتبة الخامسة : أن لا يراعى التقدير فان ذلك إنما يتيسر لنبيّ يوحى إليه أو لمن يعرف منازل القمر ويوكل به من يراقبه ، ويواظبه ، ويوقظه ثم ربما يضطرب في ليالي الغيم ، ولكنه يقوم من أوّل الليل إلى أن يغلبه النوم ، فإذا انتبه قام ، فإذا غلبه النوم عاد إلى النوم فيكون له في الليل نومتان ، وقومتان وهو من مكابدة الليل ، وأشدّ الأعمال وأفضلها وقد كان هذا من أخلاق رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] وهو طريقة ابن عمر ، وأولى العزم من الصحابة ، وجماعة من التابعين رضي الله عنهم وكان بعض السلف يقول : هي أوّل نومة ، فإذا انتبهت ثم عدت إلى النوم فلا أنام الله لي عينا فأما قيام رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من حيث المقدار ، فلم يكن على ترتيب واحد بل ربما كان يقوم [ 2 ] نصف الليل ، أو ثلثيه أو ثلثه ، أو سدسه ، يختلف ذلك في الليالي ، ودل عليه قوله تعالى في الموضعين من سورة المزمّل * ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى من ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَه وثُلُثَه « 1 » فأدنى من ثلثي الليل كأنه نصفه ، ونصف سدسه فان كسر قوله ونصفه وثلثه كان نصف الثلثين وثلثه فيقرب من الثلث والربع ، وإن نصب كان نصف الليل وقالت عائشة رضي الله عنها ، كان صلَّى الله عليه وسلم [ 3 ] يقوم إذا سمع الصارخ يعنى الديك ، وهذا يكون السدس فما دونه وروى غير واحد ، أنه قال راعيت صلاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 4 ] في السفر ليلا ، فنام بعد العشاء زمانا

--> « 1 » المزمل : 20